محمد حسين علي الصغير
187
الصوت اللغوى في القرآن
ب - إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ( 19 ) « 1 » . هذه المادة في هذه الصيغ الثلاث : مرفوعة ، مجرورة ، منصوبة ، وردت في القرآن وأنت تلمس فيها اصطكاك الأسنان ، وترديد اللسان فالصاد في وقعها الصارخ ، والراء المضعّفة ، والتكرار للمادة في صرصر ، قد أضفى صيغة الشدة ، وجسّد صورة الرهبة ، فلا الدفء بمستنزل ، ولا الوقاية متيسرة ، وذلك ما يهد كيان الإنسان عند التماسه الملجأ فلا يجده ، أو النجاة فلا يصل شاطئها ، أو الوقاية من البرد القارس فلا يهتبلها . في لفظ « الصر » ذائقة الشتاء ، ونازلة الثلوج ، وأصوات الرياح العاتية ، مادة الصر إذن : كما عبر عنها الراغب ( ت : 502 ه ) « ترجع إلى الشدة لما في البرودة من التعقد » « 2 » . قال الزمخشري ( ت : 538 ه ) : « الصر الريح الباردة نحو الصرصر ، وفيه أوجه : أحدها : أن الصر في صفة الريح بمعنى الباردة ، فوصف بها القرة بمعنى فيها قرة صر ، كما تقول : برد بارد على المبالغة . الثاني : أن يكون الصر مصدرا في الأصل بمعنى البرد فيجيء به على أصله . الثالث : أن يكون شبه ما كانوا ينفقون بالزرع الذي جسه البرد فذهب حطاما « 3 » . ولكننا نضع أيدينا على الحس الصوتي في اللغة ، فيعطينا دلالة خاصة ، مواكبة لسياق الحدث في هذا الصوت ، فريح صر وصر صر شديدة البرودة ، وقيل : شديدة الصوت ، وصر وصرصر : صوت الصرير . قال ابن الأنباري في قوله تعالى : كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ « 4 » . فيها أقوال : أحدها : فيها صر أي برد ، والثاني فيها تصويت وحركة .
--> ( 1 ) القمر : 19 . ( 2 ) الراغب ، المفردات : 279 . ( 3 ) الزمخشري ، الكشاف : 1 / 457 . ( 4 ) آل عمران : 117 .